“حصرية الممارسة”.. في شركات المحاماة المهنية

بين انضباط المصالح، والتضييق على الاقتصاد المهني

وَجَدَت معظم دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في حاجةٍ لتحفير اقتصادها بعد انخفاض أسعار النفط في الفترة الماضية، ذلك في مقابل السعي نحو تطبيق رؤى التنمية الطموحة التي تحتاج إلى حركةٍ واسعةٍ في رأس المال.

وهكذا، كان لا بدَّ على دول الخليج العربي أن تتَّجه نحو تحفيز الاقتصاد المهني، وتُعتَبر شركات المحاماة من أهمِّ عناصر هذا الاقتصاد.

لكن هذا التحفيز يتطلَّب إطاراً مُنْضَبِطَاً من القواعد الخاصَّة بهذا النوع من الشركات، فلا تتناسب قوانين وأنظمة الشركات العامَّة مع خصوصية الشركات المهنية.

فالممارسة المهنية -بشكلٍ عامٍّ- تَنطَلِقُ من مفاهيم الثقة الشخصية التي تنشأ بين الشخص وعملائه، فيما يرتقي عنصر الثقة هذا مع المحامي بشكلٍ خاصٍّ حتى يُصبِحَ العنصر الأهم في علاقته مع عملائه.

بالتالي، عندما تسعى القوانين والأنظمة إلى تنظيم ممارسة مهنة المحاماة عبر شركاتٍ، وليس مكاتبٍ خاصَّةٍ؛ فإنَّ الهمَّ التنظيميَّ الأكبر يكون في ضبط مسألة الثقة بين المُوكِّل والشركة بعد أن كانت بين المُوكِّل والمحامي الفرد.

حيث إنَّ شركة المحاماة تملك شخصيةً اعتباريةً خاصَّةً بها مستقلَّةً عن الشركاء؛ بالتالي فإنَّ المُوكِّل يجب أن يثق بالشركة كـ: “مؤسَّسة”، وليس بشخص أحد المحامين الشركاء.

هذه الثقافة تحتاج إلى توفير إطارٍ صارمٍ من قواعد الممارسة المهنية؛ لأنَّ فتح المجال أمام هذه الممارسة دون ضوابطٍ قد يؤدِّي إلى تعارض المصالح فيما بين المحامي كشريكٍ، وبين نفس المحامي نفسه كمُمَارسٍ مهنيٍّ مستقلٍّ.

لذا، ظهر مبدأ “حصرية الممارسة” في إطار الشركات المهنية، وشركة المحاماة خصوصاً؛ وهو يعني حرمان المحامي الشريك في شركة محاماة من ممارسة المهنة في مكتبه من جهةٍ، وحرمانه من الاشتراك في أكثر من شركة محاماة واحدة من جهةٍ أخرى.

وقد أقرَّت لائحة شركات المحاماة المهنية الكويتية لعام 2020 مبدأ عدم جواز الاشتراك إلاَّ في شركة محاماة واحدة (م/15)، وكانت اللائحة التنفيذية لقانون الشركات الكويتي رقم 1/2016 قد حظرت على المحامي الشريك بشركةٍ مهنيةٍ ممارسة المهنة لحسابه الخاصِّ (م/50).

أمَّا نظام الشركات المهنية السعودي، فقد حظر أيضاً الاشتراك في أكثر من شركةٍ مهنيةٍ واحدةٍ (م/7)، وعدم جواز ممارسة المهنة من الشريك إلاَّ عبر الشركة (م13-1).

بهذه الطريقة، فقد تمَّ فرض الإطار القانوني والنظامي الخاص بمبدأ: “حصرية الممارسة”، ذلك المبدأ الذي يتعارض مع مبدأ: “حرية الممارسة” طالما كان المحامي شريكاً في شركةٍ مهنيةٍ.

وعلى الرغم ممَّا يحمله مبدأ الحصرية من حماية للعملاء، وضَبْطَاً واضحاً للمصالح المهنية، إلاَّ أنَّه غير كافٍ لمواجهة مظاهر تعارض المصالح فيما يخصُّ شركات المحاماة، لأسبابٍ عديدةٍ، منها أنَّه:

  • تَرتَبِطُ الدعاوى القضائية ببعضها بعضاً بشكلٍ يَصْعُبُ تحديد مصلحة كلِّ محامٍ شريكٍ فيها؛ فقد تترافع شركة محاماةٍ ضدَّ شركةٍ مقاولاتٍ مثلاً عبر المحامي الشريك (أ)، بينما يكون محامٍ شريكٍ آخر في هذه الشركة (ب)، وكيلاً لأطرافٍ ذوي علاقة مع ذات شركة المقاولات لكن في دعوى أخرى.
  • تَرتَبِطُ المصالح الاقتصادية في الشركات بشكلٍ مُعقَّدٍ وخفيٍّ؛ فقد يكون المحامي شريكاً في شركة محاماةٍ تختصم شركةً أخرى تابعةً لشركةٍ قابضةٍ يملك فيها هذا المحامي نسبة الأغلبية من الأسهم؛ بالتالي قد تكون مصلحته الأكبر مع الشركة القابضة، لذا قد يكون هذا المحامي مُستعدَّاً للتضحية بمصلحة شركة المحاماة وعملائها حتى وإن كان شريكاً فيها.
  • ممارسة مهنة المحاماة لا تَتَطلَّب الظهور في الصورة؛ فقد يكون المحامي الظاهر في ملف الدعوى مُجرَّد واجهةٍ لمحامٍ آخرٍ مُستَترٍ خلفه، بحيث يُديرُ الترافع لمصلحة إحدى الشركات خارج إطار شركة المحاماة التي أسَّسها.

بناءً عليه، فإنَّ مبدأ الحصرية لا يستطيع ضَبْطَ تعارض المصالح بشكلٍ تامٍّ في ممارسة المحاماة، في الوقت الذي يؤدِّي تطبيق هذا المبدأ إلى التضييق بشكلٍ واسعٍ من حجم الاقتصاد المهني لأسبابٍ عديدةٍ، أهمها:

  • سيضطرُّ المحامون الشركاء إلى إغلاق مكاتبهم، وتسريح عمَّالهم بعد دخولهم كشركاءٍ في شركة محاماةٍ.
  • سيكون على المحامي الشريك واجب رفض أية دعوى تأتيه بشكلٍ شخصيٍّ، وأن يُحِيلَهَا إلى شركته، وهنا يمكن أن يرفض الموكِّل توكيل الشركة ويصرُّ على الشريك لثقته الشخصية به.
  • ستكون شركات المحاماة مكان السيولة الوحيد لجميع الشركاء، فلا يجوز لهم الاشتراك في غيرها، الأمر الذي قد يؤدِّي إلى تعطيل سيولةٍ كبيرةٍ لدى المحامين الشركاء، بالنظر إلى عدم رغبتهم في تثمير أموالهم إلاَّ في مجال المحاماة.

وبالمحصِّلة، يمكن القول بأنَّ مبدأ الحصرية يُساهمُ بدعم الثقة في إطار شركات المحاماة المهنية؛ كونه يواجه تعارض المصالح “الظاهر”، لكن هذا المبدأ يقوض حركة السيولة المهنية في الوقت الذي لا يستطيع مواجهة تعارض المصالح “المستتر”.

ويكمن الحل برأيي في التطبيق الشامل لمبادئ حوكمة الشركات، لكن بصيغةٍ مُرتَبِطَةٍ أكثر مع مهنة المحاماة؛ بحيث يكون لأنظمة تعارض المصالح أهميةً وتفصيلاً أكبر ممَّا عليه الأمر في الشركات التجارية، كما تكون على لجان المراجعة التزاماتٍ أثقل، ويكون لأعضاء مجلس الإدارة المُستقلِّين دوراً محورياً أعمق.

اقرأ أيضًـــا:

تشجيع ودعم توظيف الكويتيين للعمل في القطاع الخاص

د. عبدالسميع بهبهاني يكتب: الجديد في ضجة الطاقة المتجددة!

الرابط المختصر :
اترك تعليق