د. عبدالسميع بهبهاني يكتب: الجديد في ضجة الطاقة المتجددة!

كتبت عدة مقالات عن التغير المناخي و “الطاقة المتجددة” وآثارها على مستقبل الطاقة الإحفورية، وكنت قد بدأتها في مقال “التغير الحراري.. حقيقة أم أسطورة”، من المنظور العلمي والإحصائي وجدواها الاقتصادية.

لكن يبدو أن بعض المهنيين وغيرهم لم تعجبه الاستنتاجات الجيوسياسية للموضوع!

والداعي إلى إعادة الكتابة في موضوع الطاقة المتجددة هي ثلاث ملاحظات:

–     الانتقائية لبعض المهنيين للدراسات البيئية والمتجددة دون تنقيح وتحليل المنطق فيها!

–     تضخيم الأرقام الإحصائية لدراسات الطاقة المتجددة وتعظيم نتائجها البيئية وانعكاساتها على مستقبل الطاقة الإحفورية!

–     مناداة الحكومات ولو بالإكراه إلى اتخاذ إجراءات جادة والتقليل من استعمالات الطاقة التقليدية؛ النفط والغاز!

ولعل هدف هذا المقال هو مراجعة أسلوب تقديم الطاقة المتجددة وانعكاساتها على استراتيجية الدول 2040. فالاستعجال تسبب في بناء مشاريع مكلفة مصيرها الفشل!

ارتفاع درجة الحراراة

نذكر أن هناك ستة غازات أساسية تسبب ارتفاعًا لدرجات حرارة الأرض، حسب مؤتمر باريس IPCC 2015، وثاني أكسيد الكربون المنبعث من حرق الفحم والنفط والغاز يشكل 65% لتكون دفيئة الأرض (Green House)، ومن ثم ارتفعت حرارة الأرض عن معدلاتها الطبيعية.

وكان المؤتمر قد عرض نموذجًا لتخفيض درجة حرارة الأرض في 2035 بمقدار درجتين فهرنهايت (1,1 درجة مئوية)، مستشهدًا بمؤشرات لارتفاع الحرارة أهمها حرائق الغابات، التي يرجع 4% منها إلى فعل الطبيعة؛ الصواعق، في حين أن البقية مفتعلة.

واستشهد المؤتمر أيضًا بتقليص مساحات الثلوج في القطبين، والتي أيضًا لم يدعمها المنحنيات التي عرضت! وامتنع المؤتمر عن إتاحة فرص متساوية للبحوث المناقضة للنظرية، ما أثار جدلا شكك في تسييس النتائج!

صناعة النفط

ولمحبي تقارير التغير المناخي الدولية -التي كثر تناقضها- نُرجعهم إلى تقرير وكالة الطاقة الدولية (Key World state Energy 2020) ، الذي قدّم أرقامًا تفصيلية حول إنتاج واستهلاك الطاقة من 1970 إلى 2018.

وقد استنتج التقرير أن الاعتماد الأقوى خلال الخمسين عامًا الماضية كان على الوقود الأحفوري، رغم تطور الطاقة المتجددة من بطاريات جديدة وألواح شمسية ذات كفاءة وطاقة هواء رخيصة وموديلات مختلفة من السيارات الكهربائية.

وذكر التقرير أن 48% من الطاقة مصدره الوقود الأحفوري، وبعد 45 سنة سوف تنزل النسبة 8% لتصل إلى 40%. النسب المذكورة هي توليد للطاقة الكهربائية فقط، وليس الحرارية، وتصنيعها يعني مع إضافة الاستهلاكات الأخرى أن تنخفض نسبة الأثر إلى أقل من 4% انخفاضًا من إجمالي استهلاك الوقود الاحفوري.

ونُذَكر الاقتصاديين بأن الاستثمار في بحوث الطاقة المتجددة لا يعني تبني مشاريعها وإهمال الوقود الأحفوري كوقود أساس سهل للطاقة والتصنيع مثال الصين.

هذا ينطبق على شركات النفط الأوروبية حيث الاستثمار لا يعني التحول عن لب المهام الأساسية. فلا يمكن أن يكون مقنعًا أن يتم صرف 500 مليار دولار على أبحاث لتخفيض درجة مئوية واحدة للحرارة في 2035، ولا يمكن ان يستمر الاقتصاد العالمي بخسارة 1.5 ترليون دولار سنويًا في سبيل خفض درجتين فهرنهايت في التطبيق الكامل لمؤتمر باريس!

في المقارنة بين فروقات وإشكاليات الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة، ننبه أنصار التحول إلى المتجددة أن من الإنصاف عندما نذكر ميزات الطاقة المتجددة أن نقارنها مع ميزات الأحفوري، وهنا نذكر ثلاث مقارنات ونؤجل الأخرى إلى فرصة أخرى.

ذكروا أن الطاقة المتجددة؛ (شمس وهواء) هي طاقة دائمة وأن الوقود الأحفوري ناضب، وتم وضع تقدير 70 سنة كحد أقصى لعمر الأحفوري.

الملاحظة هنا من جانبين :

(1) “الكمية” وهذا يحكمه في الوقود الأحفوري المخزون المكتشف والمستقبلي.

(2) العمر الافتراضي لعملية الإنتاج، وهذا يحكمه الاقتصاد والتطور التكنولوجي، فالأحفوري؛ النفط فقط، المكتشف المثبت منه حاليًا قارب الثلاثة ترليون برميل من النفط التقليدي، وإذا أضفنا إلى ذلك؛ النفط الصخري والرملي والغاز والفحم فأرقام المخزون العالمي ستكون خيالية ولا يستوعبها الا المختص.

وبالمقارنة مع الطاقة المتجددة التي تعتمد في بقائها على مدد الاستهلاك والتطورات في الألواح الشمسية وتوربينات المراوح وتخزين البطاريات، وهي أيضا بحاجة الى اكتشاف لموادها الأساسية النادرة ومنافسة الأحفوري في بقائها بنفس كلفته!

يحتج أنصار المتجددة بنظافة انبعاثاتها بالمقارنة في الاحفوري ذات الانبعاثات الكربونية. بالمقابل يتغاضى أنصار المتجددة عن إعادة تدوير بقاياها، بل وتصنيعها أيضًا، وهما مصدر انبعاثات غازية أكبر من مصانع الأحفوري، كما صرحت ألمانيا حديثًا من مصانع سياراتها الكهربائية!

أضف إلى ذلك أن التخلص من البطاريات هو مصدر تلوث للأرض ومياهها الجوفية، وتطور شحن بطارياتها أيضًا معتمد على المعادن النادرة، وفيها دمار لطبوغرافية الأرض من مناجمها. هنا نؤجل النقاش في انتشار الموجات الكهرومغناطيسية المنبعث عندما تتحرك السيارات ومحطات الشحن حولك وآثارها العصبية على الجسم!

التطور السريع ورخص الكلفة

احتج أنصار المتجددة على التطور السريع للكفاءة ورخص الكلفة، واعتبروا أن ذلك مطبق في كل مكان، وهي بالتأكيد غير مطبقة في النصف الجنوبي للكرة الأرضية، حيث تقلبات المناخ القاسية والفقر.

ولا يمكن مقارنتها بأي حال بكفاءة الأحفوري في تخزين الطاقة والتحكم في انبعاثاتها التي تتطور بصورة أسرع في تكنولوجيا حبس الكربون (CCS)، التي تبنتها شركات النفط العالمية لتوصلها إلى صفر في المائة. أضف إلى ذلك تطور تخزين الطاقة بتطور مشتقات الوقود الصديقة للبيئة وفنون إطالة العمر المكمني.

فمشاريع الطاقة الشمسية والهوائية في المنطقة استعراضية أكثر من جدواها الاقتصادية، فكان الأجدى صرف المبالغ الضخمة التي تجاوزت المليارات على تكنولوجيا حبس الكربون (CCS)، وعلى تطوير مشتقات المصافي والصناعات التحويلية وغيرها، إلى إن تتطور هذه الإلواح بما يناسب مناخ المنطقة القاسي والمتقلب.

وكان الأجدى مراجعة مشروع طاقة الحرارة الأرضية (Geothermal Energy) فلدينا كثير من الآبار النفطية المعطلة.

اما ربط علاقة الطاقة المتجددة لبناء اقتصاد خليجي أكثر استدامة فهو غريب. فالمتيقن أن العجلة الاقتصادية المواكبة لتطور البنى التحتية أسرع من أن توفرها الطاقة المتجددة اللازمة لبنائها، والتي ستسلب أقل من ثلاثة في المائة من الإنتاج الأحفوري.

لذلك ازدادت مناجم الفحم في الصين والهند وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية حسب مؤشر   Global Energy Tracker (GET)! ؛ فرصد ميزانيات 300 مليار دولار في المنطقة لإنتاج 10% من طاقتها الكهربائية يُعد مبلغًا مرعبًا أمام وفرة النفط وسوف تكون عبئا على مدخول المواطن البسيط!

تقييم وتطوير

استنتج أن ضجة الطاقة المتجددة يجب تقييم حقيقتها العلمية والاقتصادية معًا، فإن الغالب على التقارير الدولية، منذ مؤتمر باريس، هو الجانب السياسي، وأن أرقام إنجازات المتجددة العالمية لا تطبق على الدول الفقيرة وحتى الغنية، وقد علّمنا وباء (كوفيد- 19) أن اقتصاد الأزمات يحتاج إلى الطاقة المضمونة والسهلة لتصل إلى جميع أرجاء الأرض. فلتتجه أموال أبحاث المتجددة إلى مشاريع تنقية الانبعاثات الكربونية من الأحفوري، فكلفتها الاقتصادية أجدى.

لذا فإن الأرقام العالمية يجب أن تعالج بظروفها المحلية فالأرقام العالمية لا يمكن البناء عليها دون تنقيح.

يجب أن نطور ما لدينا من سلعة رخيصة ناظرين إلى تطور تكنولوجيا المتجددة فمستقبل الطاقة الأحفورية لن يسلب أكثر من 4% من نموها. فمنافسة الطاقة المتجددة للأحفوري تحتاج إلى عشرات السنين ما بعد 2040 حتى تهدد. فليس هناك خطر بيئي حقيقي للانبعاثات الكربونية من الطاقة الأحفورية.

اقرأ أيضُــــــا:

قوة الاقتصاد الخليجي وتسارع توزيع اللقاحات.. خطوات نحو التعافي والنمو

معرض اتحاد الامتياز الفرنسي للفرنشايز .. والانطلاق نحو العالمية

الرابط المختصر :
اترك تعليق